محمد بن جرير الطبري

535

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

انتهينا إلى ما انتهى اليه المسلمون ، فخرج رسول الله ص ، حتى انتهى إلى حمراء الأسد ، وهي من المدينة على ثمانية أميال ، فأقام بها ثلاثا : الاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة . وقد مر به - فيما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمه ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبه رسول الله ص بتهامه ، صفقتهم معه ، لا يخفون عليه شيئا كان بها - ومعبد يومئذ مشرك - فقال : يا محمد ، اما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا ان الله كان أعفاك فيهم ! ثم خرج من عند رسول الله ص بحمراء الأسد ، حتى لقى أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء ، وقد اجمعوا الرجعة إلى رسول الله ص وأصحابه ، وقالوا : أصبنا حد أصحابه وقادتهم واشرافهم ، ثم رجعنا قبل ان نستأصلهم ، لنكرن على بقيتهم ، فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا ، قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ، وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال : ويلك ما تقول ! قال : والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال : فوالله لقد اجمعنا الكره عليهم لنستاصل بقيتهم ، قال : فانى أنهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملني ما رايت على أن قلت فيه أبياتا من شعر ، قال : وما ذا قلت ؟ قال : قلت : كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل